اسماعيل بن محمد القونوي
140
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
المخاطبين فالأحد بعض منهم وإن كان عاما من وجه آخر قيل فيه التفاتان التفات من الخطاب إلى الغيبة ومن التكلم إليها لأن الرد يناسبه اعتبار الغيبة وإن لم يكن حقيقة لأنهم ما خرجوا عن قبضة حكمه طرفة عين إذ الرد يقتضي الغيبة ولو مجازا لأنه لا يرد إلا من ذهب وغاب ولا يخفى أنه في الرد الحقيقي دون الرد المجازي لأن الغيبة في شأنه تعالى لمراعاة القاعدة العربية فالالتفات بالنظر إلى تلك القاعدة قوله تعالى في موضع آخر ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ [ التوبة : 94 ] فعلى أصله لمزيد التهديد وفرط التشديد وردوا أي يردون لتحقق وقوعه عبر بالماضي وما قيل من أن المراد الرد من البرزخ إلى المحشر فمؤيد بأن الرد بعد البعث واختير الجمع هنا لأن الرد على الاجتماع بخلاف التوفي فإنه على الانفراد بالنسبة إلى الرد . قوله : ( إلى حكمه وجزائه ) بتقدير المضاف قوله إلى حكمه وجزائه صريح في ذلك ولا مساغ إلى القول بأن المراد بالرد بالموت فيحتاج ثم إلى حمل التراخي في الرتبة وهو مخالف لما اختاره المص . قوله : ( الذي يتولى أمرهم ) أشار إلى أن المولى هنا ليس بمعنى الناصر كما في قوله تعالى : وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مولى لهم فيتناول الكفار كما يتناول الأخيار . قوله : ( العدل ) من أسماء الحسنى ومعناه لا يقبح منه شيء يفعله فهو صفة سلبية قال في المواقف الحق معناه العدل وبين له معاني اخر والمص حمل الحق على العدل وقيل يطلق على اللّه تعالى إما مجازا وهو بمعنى العدل أو مظهر الحق أو واجب الوجود أو صادق الوعد ونصبه على المدح أو على أنه صفة للمفعول المطلق أي المراد الحق فلا قوله : إلى حكمه وجزائه قدر المضاف تنزيها له تعالى عن الجهة المستفادة من كلمة إلى في ردوا إلى اللّه قال الإمام اعلم أن قوله تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ الأنعام : 62 ] مشعر بكون الروح موجودة قبل البدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون لو أنها كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ونظيره قوله تعالى : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً [ الفجر : 28 ] وقوله : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً * ونقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد بألفي عام وحجة الفلاسفة على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ضعفه في الكتب العقلية قال القطب الدلالة الأولى إنما يتم لو يرد العبد عقيب الموت بلا فصل لكن كلمة ثم تقتضي التراخي فلعل المراد بعد الحشر وأما التثنية فالمراد بالرد المعاد بعد الحصول من المبدأ أي حصل من اللّه رجع إليه لأنه كان حاصلا عند اللّه ثم رجع إليه ومن البين أنه لا يلزم منه وجود النفس قبل البدن أقول لم يدع الإمام اللزوم العقلي بل أراد الدلالة بطريق الإشعار ويكفي فيه أخذ المعنى المذكور من لفظ الرد أو الرجوع بناء على عادة الناس في استعمال هذين اللفظين في العود إلى ما حصل فيه أولا وأما كلمة ثم فأمرها هين لجواز حملها على التراخي الرتبي لا الزماني ولو فر من حملها على الزماني لاستحالة في أن يستعمل في الرجوع إلى ما فيه أولا لدعم اقتضاء الرجوع والعود معنى الفور .